Loading...

Thursday, November 22, 2007

د. أفنان القاسم - باريس

رؤية
شعراء الانحطاط الجميل
3) سميح القاسم

د. أفنان القاسم - باريس


تناديني يا ابن عمي، وأنت اليوم شيخ، وفوق هذا أشبه بماء الذهب!


له يا ابن العم، فضحتنا!


ستكون كلماتي إليك مرة، كالعلقم مرة، لا لأني أقول فيك ما يقال لأول مرة، وانما لأدفع عنك الأذى!
أعترف أني لم أكن أعلم بهذا التحول الحياتي في شخصيتك إلا هذه الأيام، وأنا أبحث على أنترنيت عن قصائد جديدة لك أنقدها. في البداية قلت أنت مازح لا بد، فعهدي بك خفيف الظل أعذبه، كم من مرة بسملت في بداية تلاوتك لخطاب أو قصيدة، وأنت الشيوعي؟ وكم من مرة قرأت الفاتحة على قبر ماركس أو انجلز، وأنت في يمينك البيان؟

أعدت قراءة تصريحاتك التي زادتني حيرة على حيرتي، وما تأكدت إلا بعدما قرأت في بعض قصائدك مقاطع لا تقال إلا في الزوايا وتكايا الأولياء، لا زوايا العبادة التي أحترمها، ولا تكايا الذين ثاروا على الظلم، فلم أنم ليلتي، نعم، لم أنم ليلتي من الصدمة، ليس لأنك آمنت، فالدين ككل إيديولوجيا أمر شخصي، قدسي، اختيار وقناعة، وأنت لست أول من نهج هذا النهج، ومن قبلك كان غارودي، ولكن لأنك تنكرت بفعل كهذا لكل ماضيك، لكل القيم التي كانت لك، تلك القيم التي "ليست قمصانا وثيابا داخلية وجوارب نغيرها بسرعة" مثلما تقول، وهذا الذي نزل كالسكين في قلبي، شيء مثل هذا يأتي منك! شيء مثل هذا استطاعوا به عليك! في أي عصر نحن ساد الانحطاط فيه الى حد أمكن لكل شيء فيه أن يمشي على من كنا نعتبرهم ليس الشعر، وانما حضارة الشعر والنثر والعصر

أتذكر دراستي القديمة عنك؟

مرة أخرى أقول، ليس لأنك أصبحت مسلما صالحا أم طالحا فهذا شأنك، يمكنك أن تغدو صابئيا أو بوذيا أو حتى يهوديا، وانما أن تتنكر لماضيك، أن تنأى عن جوهرك، أن ترفض تاريخك الشخصي وان ادعيت العكس، أن هذا لا يتعارض مع نهجك "النضالي"، "الكتابي"، "الحياتي"، الى آخر ذلك من تبرير أعرف أنه لا يريحك، ولن يريحك، إلا إذا انكسر شيء في مخك كما انكسر عظم ساقك في ذلك الحادث المروع الذي نجوت منه لتبقى لنا _ ويا لحظنا _ سالما معافى.

ستقول لي المواقف السياسية تتغير كفلسفة المرء واعتقاداته، وأنا لا يسعني إلا أن أتفق معك، ولكن أن تنجر لتسقط في فخ الخطاب السائد، أن تحايث داخل الوعي المريض، أن تهادن سلطة لا تهادن وتحابي أخرى لا تحابى، فهذا مرفوض، ألف مرة مرفوض. وماذا سيقول قارئك؟ حتى ذلك الموحد المسبح اليوم مثلك؟ النقيّ؟ الذي ولد مسلما، وظل على إسلامه مثل أمه وأبيه ؟ هل سيصدّق؟ هل سيصدقك؟ أأحكي لك عن المصداقية؟ عن الكلمة الصادقة؟ الصدق، حتى وان كان الصدق لديك كشاعر كذبا؟ أنت كبير، تعرف كل هذا. وما هذه النكتة البائخة: " عرفت بنشاطك السياسي مع انتماء حزبي واضح ومحدد ثم أصبحت فوق الحزبية والأحزاب"؟! فلتسمح لي، يا سميح، إذن أن أعود الى الوراء، وأقول ما كنت أود قوله قبل اكتشاف هذا التحول في شخصيتك، هذا التحول الأخطر في تدجين الذات بعد تدجين المثل الذي ما جاء إلا ليؤكد قولي. ومع ذلك، أتمنى أن أكون مخطئا، ومهما يكن من أمر، أنا لا أريد أن أخسرك. أنا من يحبك بالفعل، أقول في وجهك كل الذي أريد أن أقول في وجهك، ولست مثل الآخر الذي يقول لك "يدي يدك وقلبي قلبك"، ويطعنك في ظهرك بدافع "روحه الفضيحة". كان لنا الهم نفسه، والغم نفسه، وأكلنا في باريس من صحن واحد، الصحن نفسه، أتذكر؟ وكما تقول عندما تنتقل في عمودك في "كل العرب" من موضوع الى موضوع: نقطة. سطر جديد.


دورك. دور ركاح والاتحاد ودورك أنت وباقي شلة "المناضلين" إميل حبيبي، توفيق زيّاد، ومحمود درويش قبل أن يغادركم على الخصوص. تدجين العرب داخل إسرائيل، ما يدعون بعرب 48، والعرب خارج إسرائيل، كل عربنا المستعربة قبل التطبيع بكثير، وبعد التطبيع بقليل.

تهولون كما فعل الحكام العرب فينا عشية النكبة فيما يخص الأوائل تحت ذريعة يا ناس أي تحرك لنا هو علينا: سيطردوننا، سيذبحوننا، سيشلون عرضنا، حتى وان كان التحرك على علاقة بأقل المطالب الحياتية بعيدا كل البعد عن السياسة في إسرائيل وأهوالها. تخوفون، ترعبون، وقبل هذا وذاك تخدرون كما فعل الحكام العرب فينا عشرات السنين قبل النكبة لتكون النكبة. وفي كل مرة يبرك الأهل _ إذ يقال أناخ البعير فبرك _ ينعتون الى اليوم ب"الشجاعة والمسؤولية والحكمة"، أليسها كلماتك في آخر مقالة قبل آخر مقالة لك عما جرى مؤخرا في البقيعة؟

ستقول لي سلطة مجرمة وقوات مدججة وهم ينتظرون أقل حركة، وأنا أقول لك، لا يا سيدي، سلطة جبانة، وقوات لن تجرؤ على الإطلاق بعد الذي جرؤت عليه مرة إطلاق رصاصة واحدة، وإن جرى ثانية، فلن يجري ثالثة، لن يمكنها تصفية أقلية عن بكرة أبيها هي في حقيقتها أكثرية. أسائبة هي الأمور والعالم يرى اليوم ويسمع حتى الذي يجري في عقر دارك؟ وقبل أن أصل الى ما أريد الوصول إليه أسألك إن غيّر سلوك "شجاع حكيم ومسؤول" كهذا مند الاحتلال الأول للبلاد شيئا من أوضاع الناس؟ لا شيء على الإطلاق. الوضع الاجتماعي المزري يا الله البائس يا "بؤس الفلسفة"، في معناه الماركسي والديني، بقي على ما هو عليه، التفرقة العنصرية، التمييز العلني، القمع النفسي، الاستغلال، الاستملاك، الاسترقاق، القمع الثقافي، القهر حقا القهر، القهر اليومي، في الشارع، وفي البيت، في الظلام، وتحت الشمس، في هذا "الوطن الرائع رغم كل شيء" كما تقول أنت.

لماذا هو رائع يا ابن العم؟ ولماذا هذه الرغم كل شيء؟ أو بالأحرى ما هي هذه الرغم كل شيء؟ وطنك هذا أنا لا أراه على الإطلاق رائعا، بسبب كل شيء. أيوه كل شيء. من الإبرة الى رأس الفيل! لا رائع هو ولا جميل، بل بشع ودميم، ما أشد بشاعته ودمامته! روعة الوطن لا تقاس ببحره أو سمائه أو جنانه، بطبيعته الخلابة، جماله لا ينتمي الى معايير الطبيعة، وروعته الى تضامن الأهل في محنة سرمدية، وأنت أدرى بما كانت تقوله جارية معاوية عن فلاة جدب جاءت منها، وأهل إن ضنوا عليها كرام، جمال الوطن هو بالحقوق التي تعود على المواطن، كرامته، خبز يومه، مستقبل أطفاله … وأولا وقبل كل شيء حريته. أينه من كل هذا وطنك الرائع؟ لم يتغير شيء في حياة الأهل مثلما لم يتغير الخوف الذي زرعتموه في صدورهم التي كان من اللازم الكشف عنها والنزول الى الشوارع، وليطلقوا نيرانهم ما أرادوا، انهم لن يطلقوها جبنا، وهم إن فعلوا، فليطلقوها ما شاءوا.

نريد عشرين ألف كفر قاسم التي تتغنى بمأساتها ذكرى لا عبرة، لا تدفع الى الهرب كما كان قصد الأعداء من يهود وعرب وغير عرب ويهود، أمس من الأرض ومواجهة الأعداء، واليوم من الذات ومواجهة الحقيقة، هذا ما كان على ركاح أن يثقف به جماهيره، أن ترى الذات في المرآة وتواجه الحقيقة، هذا ما كان على كتابنا أنتم يا حملة الشعلة في الصفوف الأوائل أن تصرخوا به (يصرخ الأخ الآخر "أين إنسانيتي" لا في الزمن المناسب ولا في المكان المناسب)، هذا ما كان على جهنم أن تشتعل تحت أقدامهم، ساعتئذ تعال يا سميح، وتكلم عن "وطنك الرائع رغم كل شيء"! أنا لا أدعو الى العنف، اللا عنف وسيلة غاندية ناجعة لمواجهة الطغمة الحاكمة إسرائيلية كانت أم عربية، ولكن إذا كان العنف جوابا للعنف من أجل التغيير في إسرائيل والبلدان العربية أنا مع. أعطوا للناس رغبة في تغيير المعاني، معاني الوجود، واتركوا لهم الطريقة التي يرونها مناسبة، فالناس ليسوا رعاعا. ارفعوا عنهم يد الوصاية، وانظروا كيف يتصرفون على طريقتهم بشجاعة ومسؤولية وحكمة.

الخط نفسه في جريدتك اليوم كالاتحاد الأمس، التدجين، الترويض، التطويع، الترويع، التركيع، وأمرنا معها أخطر، فصفحاتها كما تقول مفتوحة لكل الاتجاهات ليس للاتجاه الماركسي الشيوعي وحده، بمعنى تحييد المتدين وغير المتدين، والخدمة التي تدعي تقديمها لأهلنا المدجنين لا المدججين هي في الواقع خدمة للطغمة. وبالمناسبة أسألك ما الذي تفعله جريدة كهذه، مثل تلك، في إسرائيل غير إقصاء الناس عن افتكاك حقوقهم والإبقاء عليهم في أوضاعهم على ألا يتحركوا إلا داخل الإطار الرسمي المرسوم لهم؟ لماذا لم تصدر يا سميح جريدة بالعبرية "كل اليهود" بدلا من "كل العرب"، جريدة تؤثر فيهم، وتزعزع، أم أنه العديم أبو عمار ممولك (هسه جاي تدافع عن ضريحه قال كلف مليوني دولار والفيلا تاعك كم كلفت بالله عليك؟) هو الذي أملى عليك ما أملى ليكسر شوكة الاتحاد لا معاريف وشوكتهم الإعلامية؟ بالله عليك، من يسمع منهم بهذه الجريدة الخنفشارية التي أنت مبسوط على نشر اسمك وصورتك فيها؟ سأتكلم عن تدجين العرب المستعربة في مكان لاحق. نقطة. سطر جديد.


اليهودي. تحشو اليهودي في كل شيء لازمة للكتابة حتى غدا هذا لك ليس تبريرا للكتابة بل للوجود، ويجري ذلك على الكتابة ماضية كانت (شطبت ما شطبت من كتبك بعد أوسلو ضد الصهيونية والطغمة والاحتلال، استعاراتك العفوية الكبيرة المعنى البعيدة الدلالة التي دخلت السجن من أجلها، وأبقيت على ما اعتبرته إنسانيا في اليهودي) أم حاضرة، مقالاتك كلها ورسائلك، من رسالتك الى محمود درويش التي تحكي فيها عن المأساة الأرمنية بتاريخ 16 سبتمبر 1986 حتى آخر مقالة لك في 9 نوفمبر الماضي، والتي تحكي فيها عن "اليهود المدنيين المسالمين".

بمعنى أنك تقدم منذ عشرات السنين في كل مرة هدية مجانية للطغمة الحاكمة في النظام الإسرائيلي فقط لتذكّر بموقفك الشخصي من يهودي ويهودي، والأخطر من كل هذا، عندما تخلط الأوراق، فتجعل من مذبحة الأرمن مذبحة لليهود، أحد منهم لم يطلب أبدا منك أن تجعل منه امتداد التاريخ ومحور الإنسانية ومأساة للكون، أحد منا لم يطلب أبدا منك أن تجعل من مأساة اليهودي مأساة لنا، وهذا ما نرفضه تماما، وأخطر الأخطر عندما تماهي بين الجلاد والضحية في اللحظة التي تقول فيها " يتداخل الأرمني في التركي واليهودي في الأرمني والفلسطيني في اليهودي واليهودي في الألماني والألماني في الأرمني"، هذا التداخل الذي تعتبره قوة للفلسطيني لهو ضعف له وإضعاف لقضيته، فأينه في هذا الخليط البليط تاعك؟ هو جلاد تارة وضحية أخرى، وليس "الضحية"، خاصة وأن مأساته ابنة زماننا، وعلينا إبرازها هي وحدها لنفحم عدونا، ولا نجعل منه، أي العدو، ضحية لازمنية ميتافيزيقية تهبط علينا بكللها وعلى العالم، وهذا هو بالضبط ما ترمي إليه الدعاية الصهيونية في الغرب اليوم سيد العالم لتكون سيدته بعد السيادة على ذاكرته، ولتكون مرجعيته الوحيدة بعد التعتيم المزمن المتواصل على محارق أخرى ذهب ضحيتها عشرات الملايين من روس وغجر وشيوعيين ومقاومين من شتى الملل للاحتلال النازي.

هل تسمعني يا سميح؟ أن يسودوا العالم في ذاكرته، وأن يقوموا باستغلال عذابات بشرهم _ نعم، بتلك الخسة _ من أجل تحقيق كل مآربهم السياسية، وهم ينجحون، إذن لماذا يعترفون بمأساتك؟ هؤلاء أناس لا يعترفون إلا بمأساتهم هم مهما حاولت الكلام عنهم بإنسانية لتحكي (لتبرر حكيك) عن مأساتك (اسأل عشرات الكتب التي كتبتها أنا بالهاجس نفسه تقل لك هذا). لكنك لم تتعلم شيئا من معجزات المقاومة اللبنانية في الحرب الأخيرة، لم تغير لا أنت ولا غيرك من جحافل كتابنا الميامين الكتاب السلطويين السلطويين (بفتح السين واللام من سلطة الخيار والفقوس) يسارا كانوا أم يمين شيئا من فكرك أو خطابك، وكأن هذه المقاومة الفذة ما كانت.

أولئك أناس لا يمكن إلا دفعهم دفعا الى الاعتراف بك، الطغمة ومن لف لفها من "مدنيين مسالمين" برأيك "يهود مساكين" مثلما كانت تروج مكاتب المنظمة الصهيونية في مصر وغير مصر قبل قيام إسرائيل وطنك الرائع على وطنك، جاءوا بالطغمة الى الحكم بأصواتهم الانتخابية، وسكتوا عن جرائمها. أولئك أناس يرفضون كل شيء، إذن ارفض كل شيء بعد أن قدمت كل شيء، وتنازلت عن كل شيء، كل شيء يا رب العالمين، كل شيء حتى عن عورات نسائك.. . دون جدوى. ارفض من يرفضك، ولا تعترف إلا بمن يعترف بك! ستقول لي هذا ما يسعون إليه ليبقوا الأمور على ما هي عليه، وأنا أقول لك بهذا أو بغير هذا هم ليسوا بحاجة الى تبرير يبقون من أجله الأمور على ما هي عليه، لأن رفضهم لك من جوهر وجودهم القائم على نفيك بل محوك من الوجود، وهؤلاء النشامة هزازو الخصور نزلاء مراحيض تونس أمس الذين هم هم نزلاء مراحيض رام الله اليوم، الذين بول مراحيض العالم أنظف منهم، أبناء العديم الذي رباهم على يديه وأحسن تربيتهم (ليش يا سميح ذكرتني بكتابي "أربعون يوما بانتظار الرئيس" في فضائحهم الله يسامحك)، الذين جعلوا من أولمرت بعد موت هذا الى جهنم وبئس المصير أمهم وأبيهم، سيذهبون الى أنابوليس قال ليفاوضوا، على لباساتهم ربما، أبقيت لهم لباسات؟ وفي الواقع إسرائيل هي التي ستفاوض إسرائيل.

كيف يفاوض العميل سيد العميل؟ ولكم افهموا يا أولاد الشليتة ألف مقاوم مسلح كما يوجب التسلح في جنوب لبنان هزمهم بجيوشهم الجرارة وقنابلهم الذرذرية وأساطيلهم البحرية!

هذا هو الكلام الوحيد الذي يفهمونه، الذي يدفعهم الى التفاوض معك بوصفك فلسطينيا والاعتراف بك. لكنهم نساء موساديات كلهم، الرجل الوحيد فيهم كونداليزا الرز، العبدة كما تقول أمي العنصرية. اعترف إذن بالذي يعترف بك ولا تعترف بالذي لا يعترف بك، وبعدئذ تعال وحدثني عن الإنساني عندهم وعندنا. هذا ما علمني إياه بيريس ونتنياهو وأولمرت، ومن قبلهم شارون ومائير ودايان. ولكنك في هذه النقطة لن تتفق معي، وستبقى ركاحي رغم تدينك مثل اللورد بايرون الذي تقول "يشبهك في تفاصيل الحياة"، والذي بقي مسيحيا رغم رقعة الخليع التي ألصقت به. نقطة. سطر جديد.


التطبيع. لماذا تركت نفسك لعبة طائعة في يد النظام العربي مثلما تركت نفسك لقمة سائغة بين أسنان النظام الإسرائيلي؟ لماذا تركتم أنفسكم يا "شلة" المناضلين كلكم طائعين خانعين للنظامين المستبدين؟ لماذا جعلتم من الخداع وطنيتنا ومن الأوهام أكلنا وشرابنا؟ قصائدكم، مواقفكم، رواياتكم، كل كتاباتكم، دعمكم للعديم.. . كنا نعتبرها تحديا لإسرائيل، وفي الواقع عملتم على احتلال إسرائيل لضمائرنا، ومهدتم لتوقيع العديم معها الذي استغلكم واستغلنا.

ولكن الغريب في الأمر أنكم أتقنتم أدواركم حتى آخر اللعبة، فهل هي تربية ركاح لكم؟ ومن هذا الباب دخلت مصر بأمر من العديم كما تروي رغم أنك "ضد التطبيع"، ما هذه المسخرة؟ هذا موقف لا علاقة له إلا بالنفاق، إذن لماذا؟ إذا ما قال لك هذا الشخص ارم بنفسك من ناطحة سحاب في ترمسعيا، هل ترمي بنفسك؟

إميل حبيبي خسر كل سمعته لأن هذا قال له أن يقبل جائزة إسرائيلية. جنى النظام المصري على ظهرك أكبر المكاسب التي لن أعددها هنا، فهي معروفة للقاصي والداني، وتعامل معك كواحد في جيشه، نعم كأنباشي في وزارة الدفاع، جيش حولوه من جيش لحماية وطن الى جيش لحماية فرد، من قوة تخشى إسرائيل ويلها الى أخرى يخشى من ويلها الناس، الضباط فيه غدوا تجارا أو مقاولين، والكتاب له مروجين ومطبلين، اسأل الدكتور عصفور تاعهم يخبرك.

وبعد أن وقع الأردن أو قبل أن يوقع لا أذكر تماما دخلت عمان، وكنت أنا آنذاك هناك، الكل جاء ليلقاك الاي، أتدري لماذا؟ لأن النظام قد استقبل من قبلك النواب العرب في الكنيست ومن بعدك النواب اليهود. كانت هذه طريقة الملك حسين الكيّسة _ فهو قد كان طبيبا نفسيا ماهرا في ترويض الشعوب _ في تمرير التطبيع على شعبه، فالتطبيع لديه يمضي بالتطويع، التدجين التدريجي الذي بقي شغله الشاغل وشغل الأمريكان معه حتى بعد أن تم التوقيع على معاهدة بأرخص الأثمان الى أن فضلوا ابنه على أخيه، وقد أعياهم الاستمرار في اللعب على كل الحبال، وانفاق السي آي إيه لملايين الدولارات رواتب على هذا وذاك أولهم الملك.

ثم الملك حسين كان يستحي، يخفي كل شيء كيلا يبدو عميلا، ولا يقبل إلا بالقدس وكل الضفة، وليس مثل العديم الذي قبل بغزة وأريحا أولا، فلم نطلع معه لا بأول ولا بآخر. لهذا تركوا الأول، وذهبوا الى أوسلو مع الثاني. لقد كتبت فيهما كتابا بالفرنسية، في الثاني وفي الأول، قبل أن يموت الأول والثاني، ليس مثل غيري ممن تشاطر بعد موتهما، عبرت فيه عن رأيي فييهما بصراحة قاسية "دفاعا عن الشعب الفلسطيني، كيف ولماذا فبركوا ياسر عرفات؟"، وروايتين "بيروت تل_أبيب" و"أبو بكر الآشيّ"، لم تقرأها، ولكنك لا تعرف الفرنسية.

عميل شريف إذن خير من وطني دجال، إذا ما وضعنا قول نجيب محفوظ المأثور "عاهرة شريفة خير من شيخ دجال" في السياق الذي نحن فيه (حذار من التعميم هناك الشيخ الدجال وهناك الشيخ المناضل الذي نجله ونحترمه)، ألم تزل تذكر هذا القول؟ على عكس ابنه الذي لا يستحي (الأمريكان لهذا السبب)، فهو لم يرث عن أبيه هذه الصفة لمحنك في السياسة، حال لسانه يقول في شعبه، أنا العميل بن العميل وطلاّع المنايا، متى تأمر أمريكا وإسرائيل أن أقوم على أموركم وأقعد الى أبد الآبدين تعرفوني _ أيوجد شعب صفر أو شبه شعب كهذا ؟ أيوجد بلد خزق أو شبه بلد كهذا تعتقل فيه توجان الفيصل تاج المليك وتمنع من الترشيح ثم تدفع دفعا الى مغادرته _ شعب يعامله ماشية للكاهن ورعيته (هناك أوصاف أخرى عرضتها لهذا العبد الله الثاني، ولو! بستحوش فخورين بالثاني لمملكة قال عمرها كم يوم يخجل المؤرخون من ذكرها في حولياتهم وفي فرنسا كانت منذ قرون عندما تسمع بلويس السادس عشر وهنري السابع عشر وفرانسوا الثامن والعشرين، أقول ستقف على أوصاف أخرى طريفة لهذا العبد الله الثاني في روايتي "عساكر" الصادرة بالفرنسية، ولكنك أنت لا تعرف الفرنسية). ومع ذلك، على الرغم من الأول والثاني، لم تزل تزور الأردن، وما همك أن تغزو الأردن إسرائيل اقتصاديا وثقافيا، أن تشتريه، أن تبتلعه، أن تدخل في عقول أبنائه بعد أن دخلت في عقول جلاديه، فنحن مطعّمون بامرئ القيس والمتنبي وأبي العلاء المعري حسب قولك، بقرون (القرون النابتة في رؤوس الحيوانات والبشر ربما) من الثقافة والأدب تحمينا من كل جراثيم التطبيع.

أين منا شعب ليس له سوى المزامير تراثا وعموس عوز كاتبا؟ سيتقاسم هذا الأخير مع الروح الفضيحة الجائزة الآتية من السويد نص نص بعد أن يجعلهم أبو العباس بلا لباس يوقعون على عجيزته ذاك العجوز المتصابي وقل أفنان قال، جائزة نص نص سيعطونها لصاحبنا ليس للقيمة "الكونية" التي تميز شعره، وإنما لأن لجنة التحكيم ستجد له مكانا على قده تحت غطاء الآخر أو في "علبته السوداء" عنوان إحدى رواياته. هوه العديم أحسن الذي تقاسم مع غيره منهم ولأنهم هم نفس الجائزة تلت تلت؟ ومن باب دمشق دخلت لتحيّي أول من تحيّي حافظ الأسد، جزار حمص وحماة، ولكن ذاكرتك ضعيفة، ولتمهد للأخطر، للتوقيع، بعد مساهمتك في التطويع، التدويخ (كلمة التخدير هنا ضعيفة مثل ذاكرتك، اسأل نيرفانا ركاح تخبرك)، وهذه المرة التطبيخ. لأذكرك أن الأسد كالقذافي، كنيازوف اللذين تصف كلا منهما محقا بالطاغية الدكتاتور المستبد، ولكن أين مصداقية ما تقول والأسد الأب كالابن ليس أحسن منهما.

أين مصداقيتك عندما تكتب لأهلنا في البقيعة إن "قلبك كان وسيكون دائما الى جانب الأحرار (أينهم؟)، وفي صف الشرفاء (أينهم؟)، وفي مواجهة الباطل (أيّه؟) الذي لا يمكن إلا أن يزهق (كيف؟)، إن الباطل كان زهوقا" يا سيدي الشيخ، وقد "عدت من سفر في الأسبوع الماضي" من.. . دبي، من عند أناس لا علاقة لهم فيما تدعيه بشيء. يقولون لك شاعر كبير، خلص تروح تركض، مثلما ركض من قبلك بيريس وغير بيريس دون أن تكون به حاجة جالوت عصره ذاك الى أن يسميه أحد لا بالكبير ولا بالصغير.

أتدرك على الأقل خطورة ما تفعل، أم أنك قاعد تبرر مثلما هو عهدي بك دوما تبرر؟ غداة مولد المحروس وطن محمد على الأعداء والأخوة الأعداء، أي منذ سبع وعشرين سنة، التقينا في باريس، وحدثتك عن طلبتي اليهود كيف يشاركون بالمظاهرات لفلسطين بينا في المقاهي يترامى الشبان المغاربة، وهم يجرعون كؤوس البيرة كأسا في اثر كأس. في ذلك الوقت البعيد، أخذت تبرر: الاستغلال، الإعلام، الإرهاق، عدم التسييس، الغربة، التغرب، الاغتراب، التغريب … الخ، واليوم تعيد في مقالتك الأخيرة الكلام نفسه عن الاستبدادي والمستعبد. وبعد أن تسألك صحيفة الشرق الأوسط السعودية يا حاج عن الصحة والأحوال وخاصة الطبيخ الذي تحب أو تكره (والله العظيم أنا لا أسخر)، فهذا هو مستوى قراء هذه الجريدة، تطلب منك بحياء أو استحياء لست أدري رأيك في أوضاعنا الحالية، فتعيد ما قلته منذ عشرات السنين لصحفي تونسي أضاع الطريق ليجد نفسه في القدس قبل أن نضيع القدس وكل الطرق إليها (أتذكره؟) "الوضع القائم يسبب لي القرف وعندي الغثيان ….. الوضع العربي كارثة"، تعميم وهرب الى الأمام أو الى الوراء، فأنت تطالب بسماجة لم أعهدها فيك من قبل ب"العودة الى الخلافة الفاطمية شرط أن تتم مبايعتك خليفة للعرب". بعد حرب لبنان 2006 وانتصار المقاومة الفذ، انتهى عهد المزاح يا سميح (أجري الحوار قبل الحرب)، انتهى عهد التبرير، انتهى عهد التدجيل: هجومك المحق على طاغية (القذافي)، وأنت جاي من عند الأوسخ (العويس).

هذا العويس سألوه، يا سميح، ذات مرة إن كان يقرأ، يكتب، يفكر، قال لهم أنا أفكر، سألوه فيم تفكر، قال في "ايري"! هؤلاء هم خليجيو الاير أصحابك،الاستبداديون، وكل الذين يدورون في فلكهم من كتاب وقراء أميين، دون أن أعني طبعا شعوبهم التي أحترمها ولا أحترم سلبيتها. نقطة. سطر جديد.


كتابتك. تقول " ذات يوم سألوني كيف تكون حالتي حين أقبل على الكتابة. قلت: اسألوا سيدة في مرحلة الحيض"، له يا ابن العم، هذه المرة ألف مرة فضحتنا! حيض! أفهم الآن لماذا قصائدك الأخيرة هابطة المستوى، فهي أشبه بالحياض الذي هو دم الحائض! وماذا عن مرحلة انقطاع الحيض؟ الإياس كما يقال، هل تتوقف الكتابة؟ وأنت، كيف لما تزل تكتب في هذا العمر؟ لا، قليل من الجد.

قرأت لك على أنترنيت "يا جبهة السفاح لا تتشامخي"، "القصيدة العمّانية"، "تعالي لنرسم معا قوس قزح"، "بطاقات معايدة الى الجهات الست"، "في القرن العشرين"، "ألا تشعرين"، "الخفافيش"، و"منتصب القامة أمشي". كتبت كما أظن ما بين 2001 و2007، فتواريخ "الويب" ليست أكيدة، أي قسم منها قبل تدينك وأخرى بعده. حاولت أن أرى في الأشكال بغض النظر عن تواريخها، فهذا من اختصاص كتّاب تاريخ الأشكال من نقاد غير موجودين عندنا يعكفون على دراسة (بتنوين الكسر) سير_ذاتية وتحليل تاريخي للأشكال والمفاهيم الشعرية من أجل شرح تحولاتها، وأردت أن أنظر الى الابتكار في قلمك ليس فيما يبدي وإنما فيما يقترح، وكما يقول العالم اللساني دانيال بريوليه: "إن "أنا" المبدع تعيد ابتكار أو تغيير الإرث المستوفى تماما بشكل أو بآخر والذي من المحتمل التنكر له من طرف قرائه أو المطالبة به". وما حصل معي وقصائدك، يا سميح، التنكر لأشكالها مع الأسف التي تعيد ابتكار الإرث المستوفى _ تسميه سلمى خضراء الجيوسي التي أحترم وجهة نظرها مرحلة سميح ما بعد الحداثة _ لأنها، أي قصائدك، إما أن تعود بالقصيدة الحديثة الى حقبة ما قبل الحداثة، القصيدة التقليدية (العلاقة هنا واضحة بين قيمك الدينية التقليدية الجديدة وقصائدك التقليدية الجديدة، هناك قيم ثورية للدين لكن وعيك مريض حتى متدينا)، وأسوق هنا مثلا قصيدة "يا جبهة السفاح لا تتشامخي" و "القصيدة العمّانية"، وإما أن تتراجع بالقصيدة الحديثة نفسها (الخفافيش، في القرن العشرين، ألا تشعرين….. . الخ) عندما تعجز عن الارتقاء بها الى قامة قصيدة سعدي يوسف العملاقة الذي له مني جائزة أكبر من نوبل وقبلة على خد قلمه المبدع العظيم، وحتى عند الأوائل من الرواد السياب، نازك الملائكة، البياتي، لاحظ أنني أتكلم عن أشكال بعض القصائد الاستثنائية عندهم. هذا لا يعني أنني القارئ الوحيد لك، فهناك من قرائك ما يجد نفسه في قصائدك، ولا يكتفي بحق المطالبة بها لنفسه بل يذهب به الأمر الى حد محاكاتها، والإدلاء في إرثك الشعري بدلوه. إنها قصيدتك الشعبية "منتصب القامة أمشي"، وربما بسبب نمطها الشعبي هذا.

قصيدتك تقول: منتصب القامة أمشي/مرفوع الهامة أمشي/ في كفي قصفة زيتون/وعلى كتفي نعشي/قلبي قمر أحمر/قلبي بستان/فيه العوسج/فيه الريحان/شفتاي سماء تمطر/نارا حينا حبا أحيان/في كفي قصفة زيتون/وعلى كتفي نعشي/وأنا أمشي وأنا أمشي/ أما المجهول المحاكي لهذه الأبيات في محاولة تجدها على أنترنيت ضمن حوارات القراء جاءت بعد قصيدتك، فقد استطاع بكلمات بسيطة أن ينظم أخرى مماثلة تتحول الصرامة فيها الى ظرافة، ولهذه الظرافة إن لم يكن الطرافة باع عريض في الشعر الشعبي، الذي يبقى حديثا مهما كان عتيقا، فلا تنطبق عليه شروط الحداثة: منتصب القامة أمشي/ونفسي آكل محشي/الفول وجّع بطني/واللحمة لونها وحشني/أحب أعرفكم بنفسي/محمود ف البطاقة ده اسمي/وملامح العروبة ف رسمي/وحزن بيمزع قلبي/لما بشوف الخوله/ببيعوا ف تراب بلدي/ونرجع ونقول المهم/قوموا احشوا المحشي/وحاكل الحلة وحدي … يا سلام! الفورية والعفوية وتلك النفحة نفحة الساخر والجد (بكسر الجيم) الخاصة بإرث الغناء الشعبي دوختني تدويخا يا ابن العم، وجعلتني على راسي أمشي!

هذا لا يعني أن أمرك مع القصيدة الحديثة وأمر كل الشعراء العرب معها سيتجددان، لا لجفاف القريحة أو إن شئت الملكة كما يحاول البعض تبرير هبوط مستوى كل هذا الشعر، وإنما لأن القصيدة قد أخلت مكانها تماما للرواية. ستقول لي هذا لأنك روائي تقول الذي تقول، وأنت أيضا روائي، ألم تكتب "الى الجحيم أيها الليلك" وغير "الى الجحيم أيها الليلك" لا أذكر كم؟ لأن القصيدة الحديثة لم تعد لا حديثة ولا قديمة، القصيدة دون أن تكون لا حديثة ولا قديمة انتهت. اسمع ما يقوله أبوللينير يوم صعود القصيدة الحديثة وتدشين الحداثة: "هوس المغامرة _ المغامرة الشعرية بشكل أساسي: إن الشاعر مدعو للتنافس مع السينما الوليدة بمعنى أن "ينظم صورا"، أن يبدي روح اكتشاف تماثل روح "العلماء" الذين "يرصدون دون هوادة عوالم جديدة تكشف عن نفسها عند كل مفرق طرق من مفارق طرق المادة". يمتلك الخيال "مدى لا نهائي"، ومن اللائق أن نبقي "اسم الشعراء إلى جانب أولئك الذين ينصبون الجدد والمعالم في الفضاءات الخيالية الضخمة".

في نهاية الأمر، يجد العلم والفن نفسيهما شريكين في البحث نفسه عن "تنظيمات جديدة". ستلد هذه التنظيمات "تلك الأعمال الجديدة عن فن الحياة الذي ندعوه التقدم". ولكن هذه الكلمات التي لأبوللينير قيلت في بداية القرن الماضي، مائة عام قبل أن "ينتهي" التقدم و"تنتهي" القصيدة معه، قبل أن "تنتهي" تلك "التنظيمات الجديدة" التي يطلق عليها اليوم مصطلح الحداثة، فلم يعد هناك ما يجدر اكتشافه من عوالم جديدة وابتكاره إلا واكتشفناه وابتكرناه، لم تعد هناك قدرة على المضي أبعد مما جرى مع القصيدة مثلها مثل العلم، وربما أجدني ابرر هنا دون أن أشاء "ردتك" وانكفاءك وعودتك إلى أشكالها التقليدية.

الذي أريد أن أصل إليه: أكبر خدمة يقدمها الشعراء اليوم للشعر أن يكتبوا الرواية! ليس لقرار عاجل أو نزوة عابرة، ولا لرفض قاطع أو قبول حماسي، وعلى كل حال الكسالى من الشعراء وحدهم هم الذين سيواصلون النظم لعقم أدواتهم أو فقرها، فكتابة الرواية ليست مهمة سهلة، والشعر فيها ناحية واحدة فقط من نواحيها. إذا استطاع منهم أحد أن يخوض غمارها، وأن يجعل منها مغامرته، فليكن، وإلا فليصمت إلى الأبد. لقد فهم الشعراء هنا هذا منذ أمد طويل، وجعلوا من الرواية ملحمة العصر لأن العصر هو الذي جعل منها ملحمته، وأنت ذو باع عريض في هذا الفن، فأتحفنا، بشرط أن تهدي روايتك لي. نقطة. سطر جد .. . نقطة الختام .. . مؤقتا.

الرؤية القادمة: الياس خوري، رشاد أبو شاور، خيري منصور
لكل جواد كبوتان

No comments: